يرى الجمال في ما يعتبره الآخرون "نفايات مهملة"، ويعتبر الفشل حافزا لضبط المسار، وتعديل الخطط، بغية تحقيق الهدف المرجو.

يؤمن بأن البيئة هي مفتاح وجودنا على هذه الأرض، ويسعى دائما للحفاظ عليها، من خلال الالتزام بمبدأ إعادة استخدام المواد المرمية، في منتجات وقطع مفيدة وجميلة في آن واحد.

فلنتعرف أكثر الى صاحب مشروع "JP Recycle Design"، جان بول فارس، في هذه المقابلة التي خصّ بها موقع "الاقتصاد":

من هو جان بول فارس؟

أعمل في قسم ​تكنولوجيا المعلومات​ (IT) في مصرف، لكن شغفي بإعادة التدوير بدأ منذ 11 عاما. فأنا شخص يعشق البحر، ولكنني كنت أنزعج دائما من أكياس النايلون، والقطع ​الخشب​ية، والأقمشة، وغيرها من الأمور، التي كانت تسبح من حولي.

ومن هنا، شعرت بالحاجة الى التحرك في هذا السياق، من أجل المحافظة على ثروتنا المائية، وصحتنا، وبيئتنا. ولهذا السبب، حاولت إعادة استخدام المواد المرمية على الشواطئ وفي البحار.

فاخترت أولا الخشب - لأنه يعتبر الأسهل - وبدأت بتجميع القطع الخشبية، وتصميمها بأشكال مختلفة، والحفر عليها. بعد ذلك، اتجهت نحو أقلام الشمع التي يستخدمها الأطفال، ويبقى منها جزء صغير غير مستخدم. فمت بخلطها مع الخشب، من خلال إذابتها ومن ثم صبّها على القطع، من أجل الحصول على تأثير جميل من ناحية الألوان.

الانطلاقة كانت على سبيل التسلية، ولكن بعد فترة، قررت التوسع في العمل، وزيادة المواد المستخدمة، خاصة لأن مادة ​البلاستيك​ تحتاج الى سنوات طويلة للتحلل. فبدأت بتجميع الزجاجات والغالونات البلاستيكية، واختبارها. كما اجتمعت مع مهندسين عدة، وعملنا على تصاميم مختلفة للمكاتب، مثل الكراسي، أغطية الطاولات، وغيرها.

نظمت معرضي الأول منذ خمس سنوات، وقد استخدمت فيه أكثر من 75 ألف قطعة بلاستيكية، من الزجاجات والغالونات وغيرها؛ حيث قمت بإذابتها حتى باتت تشبه الرخام الى حد ما. لكن هذا المعرض لم يلاقِ للأسف الأصداء المتوقعة، بسبب قلّة وعي الجمهور حول أهمية تدوير مواد البلاستيك والأخشاب، وإعادة استخدامها.

إنما هذه التجربة الصعبة، شكلت حافزا بالنسبة لي، من أجل البدء باستخدام مادة ​الإسمنت​ مع البلاستيك. ومن أجل إقناع الناس بهذه المنتجات، قررت العمل على قطع صغيرة، يمكن استخدامها في ديكورات ​المنازل​. واستوحيت الفكرة من البلاط القديم الموجود في المنازل، فعمدت الى خلط البلاستيك مع الإسمنت، للوصول الى منتج نهائية شبيه بهذا النوع من البلاط.

وبهذه الطريقة، سأساهم في ​تنظيف​ البحر، من خلال التخفيف من المنتجات البلاستيكية الموجودة فيه، وفي الوقت ذاته، سأقٌدم القطع الجميلة والفريدة من نوعها.

- متى بدأ مشروع "JP Recycle Design" بتحقيق الأرباح؟

منذ حوالي سنتين، بدأت بتحقيق المداخيل من هذا المشروع، ورغم عملي لسنوات طويلة في هذا المجال، دون جني أي أرباح مادية، لم أستسلم يوما، بل على العسك، واظبت دائما على العمل، وقررت مواصلة الطريق.

فالهدف الأساسي من مشروعي ليس ماديا أو تجاريا، بل يتمثل في خدمة البيئة، والطبيعة، والحياة على الأرض. فجميع الكائنات الحية، تستهلك هذا البلاستيك بطريقة أو بأخرى، أو تستنشق روائح ​النفايات​،... وبالتالي، أنا أقدم المساعدة غير المباشرة للكرة الأرضية وللأجيال القادمة.

وتجدر الاشارة أيضا، الى أن القوالب التي أستخدمها في تصاميمي، هي معاد تدويرها واستخدامها أيضا، حيث أحصل عليها من الورش والمعامل، وغيرها من الأماكن.

- كيف تقيم إقبال الناس على منتجات "JP Recycle Design" اليوم؟

بدأت منذ فترة، بتقديم القطع الصغيرة التي لاقت تفاعلا كبيرا، وإقبالا واسعا من قبل الناس.

كما تعاونت مع شخص ينظم الحفلات، ويزين الطاولات الخاصة بالمناسبات المختلفة (زفاف، ولادة، عمادة،...)، وقمنا بإدخال منتجاتي الى هذه الطاولات، لتكون بمثابة زينة، أو هدية للزوار والمدعوين.

ومن هنا، عمدت الى تطوير مشروعي أكثر فأكثر، من خلال تقديم المزيد من الأفكار والأشكال، التي لاقت الكثيرين، لكونها ذات صناعة ويدوية و​لبنان​ية أيضا. كما بات الإقبال يكبر مع انتشار المنتجات بين عدد أوسع من الناس، الذين قدروا جمال القطع، ومدى إتقانها وترتيبها.

ولا بد من الاشارة هنا، الى أن تصاميمي لم تعد محصورة بأشكال معينة فقط، حيث بدأ الناس يتواصلون معي من أجل تنفيذ أفكارهم الخاصة، من طاولات ومكاتب وكراس. ومن هنا، عززت مهاراتي، وطورت المادة المستخدمة، من أجل تقديم المزيد من التصاميم والقطع المميزة.

- ماذا بالنسبة الى الأسعار؟ هل أنت قادر اليوم على مراعاة حالة عدم الاستقرار في سعر صرف ​الدولار​ مقابل الليرة؟

عمدت الى تحديد الأسعار بشكل يتناسب مع الميزانيات كافة، خاصة في ظل الظروف الصعبة التي نمر بها جميعا. ومن هنا، تبدأ أسعار المنتجات من 16 ألف ليرة لبنانية.

- ما هي الصعوبات التي تواجهك خلال عملك؟

قبل الوصول الى الحالة التي نعيشها اليوم، كان البعض يعتقدون أنه بإمكانهم الحصول على قطع مماثلة من ​الصين​، وبأسعار أقل. لكنهم يكتشفون بعد فترة معينة، أنها فريدة من نوعها، وغير متوفرة في أي مكان آخر.

أما اليوم، فباتت الصعوبات تتمثل في سعر الصرف الدولار مقابل الليرة، وعندما يتعلق الأمر بشراء المنتجات مثل الشتول والنباتات.

إضافة الى أنني كنت أعرض منتجاتي في عدد من المتاجر في بيروت، ولكن بعد انفجار مرفأ بيروت في 4 آب، تبدلت الأوضاع الى حد كبير، حيث أغلقت العديد من المؤسسات أبوابها، وفقدت للأسف العديد من أماكن العرض والبيع.

- هل تخطط للمزيد من التوسع في المستقبل؟

أطمح حتما الى تقديم المزيد من المنتجات، باستخدام مادتي الإسمنت والبلاستيك.

وهناك أحاديث حول عدد من المشاريع، التي هي قيد الدرس في الوقت الحاضر، والهادفة الى إدخال البلاستيك الى بلاط الأراضي والجدران، وواجهات المباني، من أجل الابتعاد عن اللون الرمادي التقليدي، والحصول على التأثير المميز الذي أقدمه في قطعي الصغيرة.

إن مشروعي يتطور أكثر فأكثر مع كل يوم يمضي، ولكن أتمنى أن تتحسن الأوضاع في لبنان، لكي أتمكن من مواصلة عملي، والتطور فيه.

- برأيك، ما هي الصفات التي ساعدتك على التقدم وتحقيق النجاح؟

لقد تخصصت في تكنولوجيا المعلومات والبرمجة، وبالتالي فإن العمل الجانبي الذي أقوم به من خلال "JP Recycle Design"، هو بمثابة مصدر للراحة، ومهرب من مسؤولياتي الوظيفية اليومية.

فأنا شخص عنيد، وأسعى دائما للوصول الى أهدافي كافة رغم كل العوائق والتأخير، خاصة عندما يتعلق الأمر بهذا المشروع بالحديد؛ حيث هناك العديد من الأشخاص الذين انطلقوا بمشاريعهم المتنوعة، واستسلموا بعد فترة، ودون التحلي بالصبر من أجل التقدم، ودون إعطاء أفكارهم الوقت الكافي لكي تتبلور.

بدأت منذ 11 عاما، وما زلت أثابر الى حد اليوم، وأعطي من قلبي، رغم كل الصعوبات التي مررت بها.

- كيف تنجح في تحقيق التوازن بين مشروعك الخاص ووظيفتك الثابتة وحياتك الخاصة؟

أعاني أحيانا من ضغوط عدة في العمل، ولكنني أهتم كثيرا بتقسيم أوقاتي ومهماتي، من أجل تحقيق التوازن في حياتي، حيث أخصص عطلات نهاية الأسبوع لنفسي ولحياتي الخاصة والعائلية والاجتماعية.

- نصيحة الى جيل ​الشباب​.

أقول لكل شخص: "لا تستسلم، مهما اشتدت الصعاب. ثابر على تحقيق هدفك أو حلمك، لأنك ستصل حتما الى مبتغاك، بالعمل الجدي والمتواصل".