جان الأشقر، دكتور ​لبنان​ي، يبلغ من العمر 28 عاما. أقدم على الحياة بروح قوية وعزيمة صلبة، فكرّس كامل جهوده للمساهمة في خدمة وطنه، وعمل جاهدا على تنميته ورفع لوائه.

نجاحه لم يكن وليد يوم، بل هو ثمرة سنوات طويلة من الجهود والدراسات. فتجاربه شكلت ​خارطة طريق​ واضحة المعالم، لمشكلة أساسية تهدد بلادنا؛ ألا وهي أزمة ​النفايات​. وبسبب إنجازه ال​علم​ي، فاز مؤخرا ب​جائزة​ "GREEN TALENTS AWARD "، من وزارة الأبحاث والتعليم الألمانية في ​برلين​، ليكون بذلك أول لبناني يحصل على هذه الجائزة. وقد تم اختياره من أصل 837 باحثا من 97 دولة.

الأشقر يشكل القدوة الأفضل للشباب، ونجاحه بات حافزا لأبناء جيله، وخاصة لطلابه في "جامعة القديس يوسف"؛ فهو خير مثال للبنانيين الطامحين، الذين يقدمون نموذجا فريدا يحتذى به.

كان لـ"الاقتصاد" مقابلة خاصة مع د. الأشقر، للتعمق أكثر في الإنجاز العلمي الذي حققته، وللتعرف الى بداياته المهنية، ومشاريعه المستقبلية:

ما هي المراحل التي مررت بها حتى وصلت الى ما أنتَ عليه اليوم؟

حصلت على إجازة في علم الأحياء، من كلية العلوم في "الجامعة اللبنانية"، وعلى ماجستير في الكيمياء الحيوية (Biochimie)، من "جامعة القديس يوسف"، "USJ". وبعد ذلك، عملت على تحصيل شهادة الدكتوراه في ​الهند​سة الكيميائية، بين لبنان وفرنسا، في الـ"USJ"، وبالشراكة مع "Université de Bretagne-Sud".

تناولت أطروحتي موضوع معالجة النفايات، من أجل الحصول على طاقة متجددة، وذلك من خلال عملية الهضم اللاهوائي (Anaerobic Digestion)، لإنتاج غاز الميثان (méthanisation). وركزت في دراستي، على النفايات الصادرة من إنتاج الخمر، على سبيل المثال؛ فعندما يتحول العنب الى نبيذ، سنحصل على أجزاء صلبة بعد انتهاء عملية العصر، ومن هنا، عملت على تحويل هذه الأجزاء الى غاز الميثان، الذي يمكن استخدامه لتوفير ​الكهرباء​ والحرارة.

فالمشكلة الأساسية التي يعاني منها لبنان، تكمن في ​أزمة النفايات​ التي لم يتم إيجاد الحلول بها، الى حد اليوم. كما أن 50% من نفاياتنا هي عضوية، ولذلك، أركز على هذا النوع من النفايات في دراستي المتواصلة؛ اذ أسعى الى تقديم طاقة خضراء مجانية، تساعدنا على معالجة النفايات والتخفيف من كمياتها من جهة، وعلى حلّ مشكلة الكهرباء من جهة أخرى، وبالتالي "ضرب عصفورين في حجر واحد".

الى أين وصلت في أبحاثك حول معالجة النفايات؟ وهل بدأت مرحلة التطبيق؟

على الصعيد الصناعي، لم نبدأ بعد في عملية التطبيق، ولكن بعد حصولي على شهادة الدكتوراه، أطلقت ​مختبر​ النموذج​​​​​​​ الأولي

(prototype)، في كلية العلوم في "جامعة القديس يوسف"، لمعرفة كميات غاز الميتان التي تنتجها النفايات، بمختلف أنواعها.

ومن هنا، أكملت أبحاثي مع طلابي، وركزت مع كل واحد منهم، على نوع من النفايات، تنتجه الصناعات اللبنانية، مثل زيت الزيتون، والقهوة.

أما الهدف الأساس من عملنا، فيتمثل في خدمة لبنان، اذ أن جميع نشاطاتنا البحثية تلائم احتياجات بلدنا.

معنويا، ماذا تعني لك جائزة "GREEN TALENTS AWARD" التي حصلت عليها مؤخرا؟

لقد شعرت بسعادة كبيرة، خاصة لأنني اللبناني الأول الذي يحصل على هذه الجائزة العالمية، ولأن هدفي الأساس من أبحاثي هو "العمل لخدمة المجتمع" (science for society). فبعد تسع سنوات من النشاط الأكاديمي المتواصل، والتعب، والجهد، جاء أحد ليقدر ما أقوم به.

اذ تعتبر جائزة "GREEN TALENTS AWARD"، من أهم الجوائز البحثية التي تشرف عليها وزارة الابحاث والتعليم الالمانية، وتهدف لتكريم العلماء ​الشباب​ الباحثين في مجال ​التنمية المستدامة​. ويأتي الفائزون من اختصاصات علمية عدة، ويتم تكريمهم لإنجازاتهم المتميزة في جعل المجتمعات أكثر استدامة. 

كما أنه من المؤثر جدا، أن ينافس لبنان - هذا البلد الصغير-  ويتواجد الى جانب الدول الضخمة مثل ​البرازيل​، ​أستراليا​، ​الصين​، الهند، ​إسبانيا​، ​بريطانيا​، وغيرها.

هل تقليت أي دعم أو تهنئة رسمية بعد حصولك على الجائزة؟

للأسف، لم أحصل بعد على التهئنة من أي جهة رسمية لبنانية. لكن إدارة الجائرة في ​ألمانيا​، أرسلت خبرا الى سفارات البلدان الفائزة، وقد تواصل معي السفير اللبناني مصطفى أديب لتهنئتي، كما أرسل القنصل الدكتور حمزة جمّول، لتمثيل السفارة خلال حفل توزيع الجوائز.

ولا بد من الاشارة الى أنني تكرّمت من وزارة الأبحاث الألمانية، وشعرت بفرح عارم، لكن سعادتي كانت لتكون أكبر بكثير لو جاء التكريم من بلدي لبنان.

برأيك، هل سيحظى مشروعك بالإقبال المتوقع والمنتظر؟

لا أعتقد أن هذا المشروع سيلاقي، في الوقت الحاضر، الإقبال المتوقع منه، لكنّ اتكالي الأكبر هو على ​القطاع الخاص​، لأنه من الممكن تطبيق هذه التقنية في وقت لاحق، على صعيد الصناعات، المعامل، والبلديات.

هل أثر عمرك الصغير على نظرة الناس اليك؟ وهل شكّل لك عائقا في مسيرتك؟

هذا العامل شكل دعما إضافيا بالنسبة لي، وخلال محاضراتي في كليتي الهندسة والعلوم، في الـ"USJ"، أصادف أحيانا طلاب أكبر مني سنا، ولكن وجودي الى جانبهم يشكل لهم حافزا من أجل المثابرة والتقدم.

برأيك، ما هي الصفات التي تساعد الانسان على تحقيق النجاح؟

أنا مؤمن ببلدي لبنان حتى النهاية، ومتعلق به الى أقصى الحدود!

فبعد نيلي شهادة الدكتوراه، حصلت على عروض عمل عدة في الخارج، لكنني رفضتها بسبب حبي لوطني الأم وتعلّقي به؛ اذ أن بلدي بحاجة الي أكثر بكثير من البلدان الأخرى، مع العلم، أن بداية مسيرتي في لبنان كانت صعبة للغاية، وما زلت الى حد اليوم أواجه بعض العوائق.

ورغم كل الصعوبات، لم أفقد يوما إيماني بهذا البلد الجميل. وبالتالي، أتمنى على الجميع أن يتحلوا بالإيمان، ولا يفقدوا الأمل بغد أفضل، بل يحافظوا على طموحاتهم، مهما اشتدت الصعاب وكثرت الضغوط. كما عليهم العمل على صقل مهاراتهم، وتطوير معرفتهم، وتحقيق التميز في كل ما يقومون به. فالشهادة وحدها لم تعد كافية في أيامنا هذه، بسبب المنافسة الواسعة. وبالتالي، فإن النجاح مرتبط، أولا، بعامل التميز.

ما هي مشاريعك المستقبلية؟

ما زالت رحلتي في بدايتها، أما بالنسبة الى الخطوات المستقبلية، فسوف أعمل أكثر على تطوير أبحاثي، والانتقال الى الدراسات الميدانية، والتطبيق على الأرض.

ومن هنا، نتمنى أن يحصل الشباب اللبنانيون، على دور أكبر في مراكز القرار، لأن طموحاتنا واسعة ولامتناهية، كما أن قدراتنا على العطاء كبيرة وغير محدودة. فهناك العديد من الشابات والشبان اللبنانيين الذين يبرعون في مجال عملهم، ويمثلون بلدهم خير تمثيل، لكنهم بحاجة فقط الى فرصة لكي تصبح أصواتهم مسموعة، وإنجازاتهم معروفة.

بالاستناد الى تجربتك المهنية، ما هي النصيحة التي تودّ إيصالها الى جيل الشباب اللبناني الذي تشكل بنفسك جزءً منه؟

بقيت في لبنان بسبب إيماني بأن التغيير بات قريبا جدا، والشباب وحدهم، يشكلون محرك هذا التغيير!

لبنان بحاجة الينا، ونحن قادرون على إظهار صورته الجميلة من خلال قدراتنا، مهاراتنا، وطموحاتنا...